د. سوادي فرج مكلف

جامعة البصرة

كلية التربية للعلوم الإنسانية

 

سليمان البستاني شاعر لبناني غزير الموهبة واسع الاطلاع، عاشق للغة العربية وقد نذر نفسه لدراسة فنون هذه اللغة وآدابها، وشغف بتراثها الخالد. وقد ابدى النقاد اعجابهم الشديد بما قدمه للغة العربية من خدمات جليلة الشأن فاقت ما قدمه الكثير من معاصريه. وقد عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين في عصر شهد البدايات الأولى لنهضة الادب العربي وما رافقه من جهود بعث اللغة العربية وازاحة ما خلفته عصور التخلف من جمود وعقم في الحياة الثقافية.

وقد ترك سليمان البستاني اثرا خالدا يشهد له بطول الباع وسعة الاطلاع، ورجاحة العقل وسمو النفس والحماسة الشديدة في ابداء الراي، وعمق النظرة ودقة التحليل. يتجلى ذلك في ترجمته لإلياذة هوميروس من اللغة اليونانية الى اللغة العربية، وقد جعل عنوان هذه الترجمة ( الياذة هوميروس معربة نظما ) معتمدا الشعر في تعريبها ومتوخيا الدقة المتناهية في هذه الترجمة من اجل تقريب المعاني والدلالات التي تضمنتها الى القارئ العربي.

وقد امضى سنوات طوالا من عمره في هذه المهمة العظيمة الشأن الجليلة النفع باحثا ومنقبا ومتأملا في مظان اللغة العربية ومصادرها المتنوعة. والذي يهمنا من هذا الأثر الخالد المقدمة التي بدا بها في تعريبه لإلياذة هوميروس، هذه المقدمة التي بلغت صفحاتها المأتين مما يجعلها بمثابة كتاب قائم بنفسه. يقول الدكتور جابر عصفور : “ان الجهد الخارق الذي قدمه الرجل جعل من مقدمته عملا قائما بذاته ولذلك نلتفت اليها في تدريسنا النقد العربي الحديث، وننظر اليها بوصفها وثيقة من اهم وثائقه التي تتناول مجالات عديدة وتشمل ما نسميه مبادئ النقد وقواعد التذوق الشعري”(1)ويقول حنا الفاخوري : “اذا استقرينا مقدمة الالياذة وجدنا فيها الدقة والتحليل والنزاهة وسعة العلم … كما فعل في درسه نشوء اللغة العربية ودوامها، فانه رأى انها أطول اللغات الحية عمرا واثبتهن قدما … والفضل في ذلك يعود الى القران الذي حفظها ووطدها بعدما وحدتها الأسواق في الجاهلية”(2).

واذا مضينا في تتبع اراء النقاد الذين اشادوا بأهمية هذه المقدمة وشمولها لأغلب موضوعات النقد الادبي في عصره لوجدنا مبلغ اعجابهم بها وشغفهم بجمال العرض وسمو الفكر ورجاحة العقل ودقة الأسلوب، وهي سمات اجتمعت في هذا الرجل فضلا عن الموهبة الشعرية الكبيرة التي رزق بها والتي تجاوز بها ما يمكن ان يعترض طريقه في نقل ملحمة هوميروس الى اللغة العربية. فمثلا تقول الدكتورة بتول قاسم ناصر : “ان مقدمة الالياذة فتحت امام الشعراء افاقا من المغامرة الشعرية لا حد لها حين زودتهم بمقارنات واراء عن الشعر لدى الأمم المعروفة بتراثها الشعري وقدمت لهم تحليلا في خصائص البحور الشعرية وما وقع فيه الشعر من التقليد وما اثقله من صناعة مذمومة وما يحتاج اليه الشعر العربي لنهضته من تطويع اللغة والتجربة الصادقة والاقتباس من الآداب الاوربية”(3).

ومن النقاد الذين عبروا عن اعجابهم بهذا العمل النقدي الكبير الدكتور علي جواد الطاهر الذي يقول : “ان سليمان البستاني قرا الالياذة واعجب بها وراى ان ينقلها الى اللغة العربية شعرا … فوطد العزم وهيا الوسائل وقضى في عمله سنوات الى ان انتهى منه وكتب له مقدمة ضافية عن الالياذة وهوميروس والنوع الملحمي مع وقفة طويلة عند الشعر العربي … واهتدى الى مصطلح الملحمة وكان اول من اوجده”(4).

ولشدة ولع البستاني بإلياذة هوميروس ورغبته الصادقة في فهمها واستيعاب الاحداث التي رسمتها وطن النفس عازما على دراسة اللغة اليونانية بروية وتدبر ليكوناقرب الى النص الذي ينوي تعريبه، ولكنه لم يكتف باللغة اليونانية فحسب بل راح يتعلم لغات أخرى حتى انه اتقن اللغة التركية والفارسية والألمانية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية. وقد وجدنا الى جانب النقاد الذين ذكرناهم الناقد اليهودي ش. موريه الذي استعرض بعض جهود البستاني في مقدمته لتعريب الالياذة فقال : “في مقدمة الالياذة ناقش البستاني شكل القصيدة الموحدة الوزن والقافية وبحثه بطريقة اكثر علمية وواقعية. لقد تحول الشكل المقطعي من مجاله الضيق المحصور في الترانيم المسيحية والاناشيد المدرسية والترجمات المنظومة الى مهمة ترجمة عمل من الملاحم الشعرية العظيمة في تراث الإنسانية”(5). وفي هذا السياق يقول البستاني : “اني وطنت النفس على ان لا ازيد شيئا على المعنى ولا انقص منه ولا اقدم ولا اؤخر الا في ما اقتضاه تركيب اللغة، فكنت اعمد الى الجملة سواء تناولت بيتا او بيتين او اكثر او اقل واسبكها بقالب عربي اجلو رواءه على قدر الاستطاعة، ولا انتقل الى ما بعدها حتى يخيل لي اني احكمتها”(6).

اما الموضوعات النقدية التي طرقتها مقدمة البستاني فيمكن اجمالها بالاتي :

  • التعريف بملحمة هوميروس والاشارة الى انها تراث انساني.
  • تأكيد نسبة الملحمة الى هوميروس بأسلوب علمي وادلة قاطعة.
  • الإجابة عل السؤال القائل : هل عرف العرب الملاحم ؟.
  • بحثه مصطلح الملحمة ومن ثم الإشارة الى انه (أي البستاني) السابق الى ابتكار هذا المصطلح بمعناه النقدي الحديث.
  • دراسته للشعر العربي القديم من حيث موضوعاته وخصائصه الفنية، وتصنيف الشعراء الى طبقات وايراد الشواهد الشعرية المنتخبة.
  • وقوفه عند بحور الشعر وبحثه العلاقة بين كل بحر وما يناسبه من الموضوعات.
  • تفصيل الكلام في القافية وما يتصل بها من مباحث.
  • الإشادة بفضل القران الكريم في حفظ اللغة العربية من الضياع.
  • الحديث المفصل عن مزايا اللغة العربية التي تختص بها دون سائر اللغات.
  • فتح باب الادب المقارن عند العرب عل مجال واسع.
  • تعليل قضية التقارب في ايراد المعاني عند الشعراء والتماثل في صياغة العبارة بانه ناتج عن توارد الخواطر او تاثر اللاحق بالسابق مما يدخل في باب التناص في النقد الادبي الحديث.

لكل ذلك فقد وصفت هذه المقدمة بانها دائرة معارف لما جاء فيها من علوم ودروس متنوعه ووصفت كذلك بانها لا تقل عن مقدمة ابن خلدون في أهميتها العلمية والتاريخية.

ويحسن بنا في هذه المناسبة الخاصة بقانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية ان نقتطف شيئا مما قاله البستاني في سياق حرصه على الوفاء لهذه اللغة التي كرس جهده من اجل العناية بها وصونها من عوامل الضعف، والارتقاء بها الى مراقي الرفعة والجلال. يقول “واللغة العربية شعرية بطبعها لتفرع مفرداتها وتنوع اشتقاقاتها القياسية على أسلوب لا يرى له مثيل في اللغات الارية. والقوافي مزدحمة فيها ازدحاما يسهل النظم. وهي جزلة التركيب محكمة الانسجام وفيها من طرق الحذف والتقدير والتقديم والتأخير ما ينفسح معه المجال للشاعر لصوغ عبارته على قوالب شتى. وذلك مزية تمدح عليها اللغة في الشعر وان عيبت في النثر حيث يقصد الجري على نمط واحد جلي. وهي على الجملة متسعة للشعر اكثر منها للنثر. فشعرها القديم ارفع طبقة من معظم نثرها، وجيده اسهلمنالا من جيد الثر حتى لقد تجد النثر شعرا في كثير من الأحوال”(7).

ويختم البستاني مقدمته بهذا الكلام الذي يعبر به عن تفاؤله بمستقبل اللغة العربية فيقول : “والشعر من توابع اللغة ولوازمها فاذا ارتفع شان اللغة فبشر الشعراء. على ان مطلب الشعراء يختلف عن مطلب العلماء والمؤلفين. فحاجة الشاعر ايسر وموادها اوفر وذخيرته في دماغه فاذا جلاها العلم كانت له ولبني لغته موردا صافيا ومنهلا عذبا. وفي الامة والحمد لله فطاحل خرجوا عن جادة التقليد البحت فمالوا ميل الزمان واخذوا يسعون الى استجلاء المعنويات سعي رصفائهم الى استجلاء الحسيات. وما هي الا جولة واختها مدة من الزمن حتى تستعيد صناعتهم مقامها الشامخ ومجدها الباذخ”(8).

وفي الختام يتضح لنا ان البستاني قد تجاوز ما قاله الجاحظ قديما : ان الشعر اذا ترجم سقط موضع العجب منه، وتجاوز أيضا القول الشائع في أيامنا هذه بان الترجمة خيانة للنص المترجم، فقد حفظ البستاني موضع العجب من الشعر المترجم وحافظ على شرف النص الشعري المعرب وفي هذا ما يدل على مبلغ ما وصل اليه البستاني من الكفاءة اللغوية والموهبة الشعرية مما جعله يتخطى اسوار الترجمة بهذا العمل الإبداعي الكبير.

 

 

الهوامش :

  • الياذة هوميروس معربة نظما. ص ص
  • الجامع في تاريخ الادب العربي (العصر الحديث) ص174 – 175
  • تطور الفكر النقدي الادبي في العراق ص155
  • مقدمة في النقد الادبي ص88
  • اثر التيارات الفكرية والشعرية الغربية في الشعر العربي الحديث ص75-76
  • الياذة هوميروس معربة نظما، المقدمة ص77
  • المصدر نفسه ص192
  • المصدر نفسه ص200

 

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *